عبد الملك الجويني
104
نهاية المطلب في دراية المذهب
واحدة تفريعاً على اتحاد الكفارات إذا خاطب نسوةً مجردات أو إماء منفردات ، وهذا ظاهر القياس . ومن أصحابنا من قال : هاهنا تتعدد الكفارة لتعدد الجهة نكاحاً وملكاً . وهذا خيالٌ لا أصل له ، وإن كان مشهوراً ، حكاه الصيدلاني وغيره ، ثم صاحب الوجه الضعيف حيث انتهى التفريع إليه لا يوجب إلا كفارتين ؛ نظراً إلى تعدد الملك والنكاح ، وهذا كلام مضطرب ، والوجه تنشئة الخلاف من عدد المحرمات منكوحات كنّ ، أو إماء ، أو مختلطات . 9031 - وكل ما ذكرناه مفروض فيه إذا لم يكن لفظ التحريم صريحاً في الطلاق . فإن كان صريحاً في الطلاق لاستفاضته وشيوعه ، وتفريعنا على أن مأخذ الصرائح الشيوع ، فإذا أطلق التحريم ، فهذا نفرّعه على أن التحريم في اقتضاء الكفارة صريح أم كناية ؟ وتحقيق القول فيه أنا إن حكمنا بأن مأخذ الصرائح الشيوع ، فلا يتصور كون لفظ التحريم صريحاً في البابين ؛ فإن المعنيّ بالشيوع أن لا يستعمل في اطراد العادة إلا في معنىً ، ولا يقع الحكم للفظ بكونه صريحاً إلا بشرطين : أحدهما - الاستفاضة ، والآخر - أن لا يستعمل إلا في معنى المطلوب . وإذا بان أنا نضم إلى الشيوع الحصر ، فلا يتصور أن يشيع لفظ على الحد الذي ذكرناه في معنيين مع اتحاد الزمان والمكان ، وهذا بمثابة إطلاق الغلبة في النقود ، فالغالب هو الذي يندر التعامل على غيره ، ويستحيل تقدير الغلبة في نوعين ؛ فإنّ قصارى هذا التقدير يجرّ تناقضاً ، وهو أن كل واحدٍ منهما أغلب من الثاني ، فيلزم منه إثبات شيئين كلّ واحدٍ أغلب مما هو أغلب منه . فإذا شاع اللفظ في مسألتنا في أحد المعنيين ، كان صريحاً فيه كناية في الثاني . 9032 - وإن جوزنا أن يكون للصريح مأخذان : أحدهما - ورود الشرع ، والآخر - الشيوع على النعت المقدّم ، واعتمادُ الشرع في باب الصرائح يشهد له نصُّ الشافعي على أن الفراق والسراح صريحان ، وإن عرفنا قطعاً أنهما ما شاعا شيوعاً يتميزان به عن الخليّة ، والبريّة ، والبائن .